ثقافة الارتجال!

743 زيارة التاريخ 29 أغسطس 2009

الارتجال: هو أداء عمل معيَّن دون استعداد ولا تحضير، واستخدام ما هو حاضر من أدوات لتحقيق هدف معين.
أما الفوضى: فهي الموقف الذي يتَّسم بضعف نظام أجزائه، أو صعوبة التحكُّم به، فإذا ما وُجد هذان التعريفان بمجتمع معين، وأصبحا معرفةً فكرية، ومهارة سلوكية، فلا شك بأن التقوى غائبة، والتناصح مفقود.

إذا دمجنا ارتجال الأداء الإنساني في المجتمع الذي يعيش فيه – بغضِّ النظر عن كفاءة هذا الارتجال وفعاليته – مع فوضى دينية وفكرية، وأخلاقية واجتماعية، ومالية وصحية، وتعليمية وإعلامية، وتجارية وقيادية، وإدارية وأمنية، ومؤسسية وخدمية – فسوف يكون الناتج مجتمعًا يركِّز على الخلاف، ولا يفكِّر إلا في الاختلاف، وينسى الألفة الدينية وأحكامها، ويتناسى الألفة البشرية وواجباتها، ويكون ديدنُه التناحراتِ الفكريةَ، ولا ترى به إلا التناقضات السلوكية، والتجرُّؤ على الثوابت العقدية، وتمييع القيم الأصيلة، ويهان به محمود الأخلاق، حتى يفقد هذا المجتمع هُوِيَّته الأصلية، وتراه أصبح يستخدم صورة طبق الأصل لما يجب أن يكون عليه، وإن لم يضيِّع هذه الصورة أصلاً وواقعًا.

إن أساس المجتمعات هو الارتكاز على أرضية مشتركة تجمع الناس، وتكون مصدرًا لأفكارهم، فتحفِّزهم على العمارة والبناء، فيشعرون بلذة العلاقات الإنسانية، ويجدون فسحة لاستعراض أخلاقهم الحميدة، وعكس جمالهم الداخلي ومكنوناته المنسجمة مع ذواتهم، عند ذلك يصبح النظام المجتمعي – بما يحتويه من معتقدات وقيم، وعادات وتقاليدَ، ومعارف ومهارات وسلوكيات – عبارةً عن مجموعة متحدة لا تتجزأ في مختلف المواقف، ولا تتغير عند المحن، ولا تتلون عند الرخاء؛ لذا يكون هذا المجتمع قد وصل إلى درجة عالية من الأداء الإنساني الرفيع.

وإذا ما أردنا – برغبة صادقة قوية، لا يوقفها عائق ولا صعوبات – تأسيس مجتمع كهذا، فإن هناك حلاًّ سريعًا، وعلاجًا نافعًا، يتمثل في كلمة واحدة جامعة، لا تعيش إلا في بيئة إسلامية صحيحة، منهجُها سلفنا الصالح ولا غيره، وهذا الكلمة هي “التقوى”.

إن الارتجال والفوضى عدوَّانِ لدودان للتقوى والتناصح؛ فدينُنا الحنيف يحثُّ على النظام والاستعداد والتحضير والتهيئة لكل موقف على حده، مهما اختلف محتواه، ومهما كان سياقه، ومهما كانت درجة أهميته، وأينما كانت تقع أولويته؛ فالدين العظيم الذي علَّمنا صغائر الأمور لا يغفل عن عظائم الأمور، أما النصيحة فهي من الدين لا شك؛ كما أخبرنا الرسول – عليه السلام.

وبما أني أودُّ أن تكون خاتمة المقال هنا أكبرَ مني، فدعني أتركك مع كلمات العلامة ابن باز - رحمه الله – فقد قال: “إن التقوى كلمة جامعة، تجمع الخير كلَّه، وحقيقتها أداء ما أوجب الله، واجتناب ما حرَّمه الله على وجه الإخلاص له، والمحبة والرغبة في ثوابه، والحذر من عقابه”، وقال أيضًا: “الناس بخير ما تناصحوا، وتواصوا بالحق، فإذا أهملوا وتقاعسوا عن هذا الأمر العظيم، ظهرت بينهم المنكرات، وقلَّت بينهم الخيرات، وانتشرت الرذائل”.

ألم أقل لك: إن الخاتمة كبيرة؟!

>>> تم نشر هذا المقال أيضًا في جريدة الرؤية الكويتية: ثقافة الارتجال!

14 تعليقات على هذا الموضوع:

  1. Zahi :

    We do need day after day someone reminding us of these simple basics that we consider insignificant at the present time, why? Because we deem ourselves as Bigger that God’s words. Poor we and fantastic are your words
    Thank you again Abu Saqer

  2. د. الهام الشلال :

    الأخ الفاضل أ. نوفل المصارع:
    لك خالص الشكر و التقدير على هذا المقال ، وما أحوجنا في هذه الأيام لمثل هذا المقال ، حيث ولي الأمر لغير أهله و انتشرت في المجتمعات العربية الفوضى المقصودة ، وذابت الحقوق و ذبلت هيبة القانون وساد رأي العوام من الدواب والهوام ،
    بارك الله فيك و أعانك على صالح الأعمال.
    أختك : أم سليمان

  3. عبدالرحمن ذاكر الهاشمي :

    السلام على نوفل ، أبي صقر ، ورحمة الله وبركاته

    طرح موفق ومبدع ، لا تفتأ تطالعني بإبداعاتك “الفقهية” .

    إن من العجب أن أمة يترك لها نبيها وقدوتها ميراثا لا يكاد يحصى من “التخطيط” ، بدءا بأذكار الاستيقاظ ، وأذكار الخلاء ، وأذكار اللباس ، وأذكار الخروج من المنزل ، وأذكار ركوب الدابة – السيارة وغيرها – ، وأذكار الصباح ، وأذكار وآداب وأخلاق العمل ، والاستعداد لمواقيت الصلاة بالوضوء وغير ذلك ، وأذكار والمساء ، وأذكار دخول المنزل ، وانتهاء بأذكار وآداب النوم ؛ أليس هذا كله ضربا من ضروب التخطيط ؟ أليس هذا من شأنه أن ينتج إنسانا مخططا دقيقا واعيا ؟! كل هذا ، ثم تتخبط هذه الأمة وتقع فريسة ل “جاهلية العبثية والفوضى” .

    العلاج في العلم والعمل ، وعجبا لأولئك الذين يتكبرون على مجالس العلم و”الفقه” !!!

    شكر الله لك ، ونفع بنا وبك .

    تقبل الله منك رمضان ، وتقبلك من رمضان .

    والسلام

    أخوك المحب : عبدالرحمن

  4. محمد القطان :

    دائما عندما نسال أنفسنا اين نحن من هؤلاء فلا نجد هؤلاء فأين هؤلاء
    شكر خاص لأخي ابو صقر وهذه المواضيع الطيبه وجعلها الله في ميزان حسناتك

  5. بو سليمان :

    السلام عليكم
    بارك الله فيك بو صقر
    كلام جميل وطرح اجمل ولكن تبقى النتائج مرهونة بأفعالنا ومدى اخلاصنا نسأل الله السلامه

    جزاك الله خير

  6. شروق المناعى :

    السلام عليكم
    بارك الله فيك يا اخ نوفل وجزاك الله خير كل الجزاء

    على هذا الطرح وفعلا ما احوجنا لمثل هذه المقالات من وقت لاخر

    زميلتك شروق

  7. Nada Al-Mutawa :

    مقالة رائعه وفقك الله أ.نوفل
    بانتظار كل جديدك..

  8. عبدالمنعم (بو يوسف) :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    كلام أكثر من رائع، ولا أعرف لماذا تذكرت الآية ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”. سبحان الله مهما كانت أعمالنا وأفعالنا منظمة ومخطط لها أم ارتجالية، فإن أساسها ومصدر قوتها يكون من إعدادنا المسبق لأنفسنا وتمسكنا بنهج السلف الصالح والعمل على الجد والاجتهاد. فبالتالي تكون دائما نتائجنا مقبولة على الأقل وإن لم تصل إلى الإبداع.

    مشكور يا بو صقر على الموضوع الجميل.

  9. حمد سالم المري :

    جزاك الله عنا خيراً على هذا المقال الأكثر من معبر. فما أحوجنا إلى تحقيق التقوى بشكلها الصحيح حتى تصلح لنا دنيا وأخرتنا.

  10. بوعمر المطوع :

    ياسلام على اللغة العربية المتميزة في كلامك
    مقالة تستحق القراءة بتمعن أكثر من مرة
    الله يعطيك العافية
    بوعمر

  11. أنس يوسف :

    مقالة متميّزة وجُهد مُبارك
    جزاك الله خيراً

  12. خالد العبدالغنى :

    شكرا على المقالة، وليبدأ كل انسان بنفسه حتى يتحقق المجتمع المنشود.

  13. بوصقر العنزي :

    تتميز دائما بمقالاتك واختيارك للمواضيع .
    جهد تشكر عليه جعله الله في موازين حسناتك .

  14. احمد محمد الدوسري-الكويت :

    اول شي تقبل الله طاعتك يا بو صقر دائما تتحفنا بما هو مفيد ومميز جزاك الله الف خير و وفقك الله لما يحبه ويرضاه ويجعله في ميزان حسناتك.

أترك تعليقك


Creative Commons License
.

Go Daddy