هيبة الحكم والانفلات الإعلامي!

551 زيارة التاريخ 03 أكتوبر 2009

إن الإنسان المسلم العاقل المتزن يدعو الله عز وجل ويحاول أن تكون خشية الله ورهبته حاضرة في قلبه حتى يأتي أوامره وينتهي عن نواهيه، فهذه قمة الحكمة حتى تكون الجنة هي الدار، وإلا فإن النار قائلة هل من مزيد بلا شك.

على الأرض – ولله المثل الأعلى – للحكم هيبته ورهبته، لذا فإن ذات حضرة صاحب السمو حفظه الله مصونة لا تمس – كما تشير المادة 54 من الدستور – ولا يقربها من كان، ولا يلامس هيبتها إلا هالك، وحتى المناصب العليا في الدولة ورموزها لها احترامها وإجلالها لارتباطها بمؤسسة الحكم وعلى رأسها الأمير، فمثلاً المادة 67 من الدستور تنص على «الأمير هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يولي الضباط ويعزلهم وفقا للقانون».

ولكن، يبدو لي أنه هناك من لا يفقه بالركائز التي تقوم عليها الدول، ولا يفرق بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، ولا يعي تركيبة مجتمعنا مقارنة بالمجتمعات الأخرى، ولا يفهم نتائج كلماته وأثرها على المجتمع المدني، ولا يستوعب الظروف الحياتية ولا دروسها، ولا يقرأ التاريخ وصفحاته، ولا يستشف المستقبل ولا ملامحه، ولا يمعن النظر في المتغيرات الحالية والآتية، فجل ما يريده هو كلمات يرميها على أحدهم ظانًا بأنها سوف تصعد به إلى أعالي سماء الإعلام، وتبني له مكانة اجتماعية لعله يحظى بها، ولكنه نسي أنه لم يبن له موضعًا في قلوب الناس يحفظه، وأساسًا من الدين يحميه، فتراه يسقط على وجهه وتسقط فوقه كلماته فتجرح ما تبقى من كبريائه، وتزيد أحيانًا من عنجهيته وجهله وحمقه.

أقول كلماتي هذه بعد أن أصبح التجرؤ الإعلامي على ركائز الدوله من رئاسة مجلس الوزراء والوزراء ومجلس الأمة وقادة الجيش والشرطة والقضاة وغيرهم – والتي هي بالأصل مرتبطة بمقام حضرة صاحب السمو بصورة أو بأخرى – كأنه حديث يدار في المجالس، وكأنه كلام يدخل الفرحة والبهجة على الأنفس، وكأن الإسلام لم يعلمنا ضوابط النصيحة والقول، وكأننا لم نعش مع آباء وأجداد كانوا يقدمون النصيحة للحكام ولكن باحترام كبير، وبهيبة ووقار، وبكلمات منتقاة، وبالسر وليس بالعلن، ومن باب المحبة والرحمة والألفة والحق، ومن منطلق الكياسة واستنباط ما هو أنفع للدولة والمناداة به بكل لباقة وفطنة وهدوء.

أعزو ذلك التجرؤ الفج في السلوك، وهذا التخبط في القول، وهذا الموقف الهادم لهيبة الدولة، إلى عدم إدراك من يتجرأ للفرق ما بين الحلم والتواضع ولين العريكة التي يتصف بها الحكم في الدولة، وما يظنه ويفسره على أنه ضعف وهوان، ناسيًا ومتناسيًا أن لكل شيء حدا، ويبدو أن البعض منا لا يستحق الحرية التي ينعم بها، اما لنقص في مكونات شخصيته قد أتعبه، أو لنزعة يقدم فيها الذاتية على الموضوعية، أو لهدف يريد تحقيقه أو لمصلحة تناديه وهكذا…

العجيب في الأمر، ان جمعية الصحافيين المحترفين (SPJ) في الولايات المتحدة تنص في بعض مبادئها الأخلاقية على «الإدراك بأن جمع المعلومات وإعداد التقارير الصحافية قد يسبب الضرر أو الإزعاج، وأن تقصي الأخبار ليس مبررًا للغرور». فإن كانت هذه أخلاق الغرب، فنحن أعظم عقيدةً وأفضل قيمًا وأحسن أخلاقًا ويجب أن نكون أقوى التزامًا بهذا الدين العظيم ونحاول أن نصبح أكثر انضباطًا بتعاليمه السمحة، لذا يجب أن نكون مثالًا لهم وقدوة لمن يريد أن يقتدي. وعليه فإن حرية الإعلام لا تعني انفلاته من بين أيدينا، وخروجه عن سيطرتنا.

أخيرًا أقول بأن من أهم ركائز التغيير المجتمعي الإيجابي الثقة بالله وقيادة النفس نحو المعالي، والابتعاد عن القيل والقال وكثرة الهرج وفوضوية مزج المفاهيم واختلاطها، والتجرد من الأهواء، والبعد عن اختلال الممارسات المهنية، وعدم التجرؤ على النخب المجتمعية - ولا أزكي على ربي أحدا – علمًا بأن هناك أساليب كثيرة وأدوات متنوعة لتغيير المنكر، وتصحيح الخطأ، ومراجعة المواقف وتعديلها، وإعادة الأمور إلى نصابها، فالنية الطيبة تهدف إلى الإصلاح والبناء وليس إلى التشهير والهجاء، وتذكر أيها الإعلامي زرع الهيبة في نفسك حتى ترتقي بعملك الرفيع، وتذكر أمانته ومسؤوليته، وتذكر {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق : 18].

>>> تم نشر هذا المقال أيضًا في جريدة الرؤية الكويتية: هيبة الحكم والانفلات الإعلامي!

12 تعليقات على هذا الموضوع:

  1. بوعمر المطوع :

    أخي الكريم بوصقر
    بناء المجتمعات يقوم على الصفوة وهم دائما لا يتعدون 5% في أغلب الأحيان ،أما باقي 95% فهم مع الخيل يا ….
    أخي الكريم أعلم ما في قلبك من حرقة كبيرة لكن هكذا الكويت أصبحت
    اليوم رجعت من أبوظبي … فوالله خطر في نفسي أن أهاجر لها مما رأيته من نظام وترتيب واحترام
    الدولة كلها تتدرب على خدمة العملاء من دخولك للمطار حتى خروجك منه
    أعلم بأن هذا الكلام ليس موضعه لكني أحببت المشاركة
    محبكم

  2. د.مصطفى ابوسعد :

    بارك الله جهدك وحرصك وعطاءاتك يا أطيب صديق وأغلى نوفل
    أنا فخور بك وباخوتك وبانجازاتك

  3. نوفل المصارع :

    ربك يسهل الأمور يا بو عمر وهو المستعان.

    د. مصطفى، أسعدتني كلماتك فأسعدك ربي وأغلاك ورفع مقدارك :-)

  4. د.الهام الشلال :

    أخي الاستاذ الكاتب نوفل المصارع:
    أؤيدك فيما ذكرت عن أهمية هيبة الحكم و الحاكم ، وأذكرك في نقاشات سابقة لنا حول هذا الموضوع ، والسؤال المطروح هو : ما الذي يجعل العوام من الناس يحترمون القانون في أوطانهم ؟، قد يعتقد البعض بأن حب الوطن دافع أساسي و كافي لذلك ، لكن هذا غير صحيح ، فالبشر خطاؤون بطبيعتهم و متفاوتون في درجات حبهم و عطائهم و تضحيتهم من أجل الوطن أو المجتمع أو الاسرة ، لذلك فان هيبة الحكم و القانون هي الرادع لمن ليس لديه الايمان و الالتزام الديني الكافي الذي يردعه عن الاساءة لمجتمعه أو وطنه ، و مصيبتنا في الاعلام كبيرة لانه أصبح في كثير من الاحيان يعبر عن رأي العوام و بعض السفهاء ، وصارت هذه الاغلبية هي المسيرة لرأي الشارع وبديل لرأي حكماء البلد و هذا عكس ما جرت عليه العادة في المجتعات الاسلامية قديما ،هذا بالاضافة الى كثير من الدخلاء من الاجانب على صحافتنا باسم الحرية ، فمن أين سيأتي الحس الوطني والحرص على البلد و هيبة القانون ، وكان لابد من أن يؤدي ذلك الى الفوضى التي نراها الآن.
    نسأل الله العلي القدير أن يوفقكم و يحفظ بلدنا و أميرنا من كل مكروه.

  5. نوفل المصارع :

    صدقت أختي د. الهام الشلال فيما ذهبت إليه، يجب أن يكون هناك ضابط لكل أمورنا الإعلامية، عمومًا نحسن الظن والخير في البعض، ولكن للأسف هناك ثلة غير طيبة تستخدم الإعلام لمصالحها… نسأل الله الهداية للجميع، وجزيت خيرًا على مشاركتك أختي أم سليمان.

  6. فاطمة الغرياني :

    أخي بو صقر

    هؤلاء شعارهم عندما تحضر المصالح الشخصية يغيب الوطن .. وهي فسلفة قصيرة النظر .. فنتائجها سلبية لا محالة عليهم قبل غيرهم ولكن حين تؤتي جهودهم المقيتة أكلها الخبيثة .. ووقتها سيعلمون ان شعارهم المستهلك كان يجب عكسه تماما لصالحهم ولصالح ابنائهم فيكون ” عندما يحضر الوطن تغيب المصالح الشخصية او على الاقل تتراجع خطوة للخلف “أسأل الله العلي القدير ان يمن على مجتمعاتنا بالنضج عاجلا غير آجلا يا رب العالمين ..وشكرا لك على طرحك المميز

  7. وليد المشهراوي - بو خالد :

    مشكور أخ بو صقر على مقالك ونسأل الله العلي القدير الهداية لجميع المسلمين

  8. عمر الهاشمي :

    السلام عليكم اخ نوفل، هناك شقين للموضوع من وجهة نظري، الأولى: ظلم الحاكم للمحكوم؛ والحاكم في هذه الحالة يُقَوَم بالسيف كما جاء على لسان الفاروق عمر بن الخطاب. والا فعلى رأي المثل المصري « مين فرعنك يا فرعون …». الشق الثاني: حكام دول الخليج وهم على خير ولا نزكي على الله احد، فان كانت هناك هفوات، فالنصيحة واجبة على ادبها، ذلك ان خروج النصيحة عن اخلاقها لم تعد بالنصيحة، صارت ظلم، وكثير ممن يحبون التشاوف على الخلق ولو رفعو على خازوق.
    الشاهد اخ نوفل، الاخلاق ثم الاخلاق. نحن نعاني أزمة اخلاق، فلا غرابة من سماع بعض الآراء الشاذة مدعية الحفاظ على حقوق الناس.. وللحديث صلة

  9. د. راشد الحمدان :

    السلام عليكم. أثني على كلام الدكتوره الهام الشلال و احب أن أورد مثل كان يقوله الأولون وهو “ما انحطت السلاطين إلا للشياطين”. و أعقب قائلا أن الدين بحد ذاته رادع كبير لمن لامس الدين شغاف قلبه و تمكن من جوارحه، أما الذين لم يعدو الدين بالنسبه لهم أن يكون مجموعه من الشعائر و الممارسات، فلهؤلاء الحزم و الشدة هما أساس استتباب النظام، ولا لين إلا بعد الشدة و القسوة حتى يعلم من قصا أولا أن اللين حينما يبذل من الدولة فهو للين و ليس لانعدام الحزم كما هو حادث الآن، حتى تجرأ على الدولة من لم يكن ليجرؤ على مجرد السلام على رموزها. مع هذا يجب أن لا يقودنا ذلك إلى القول بأن قرار وزير أو أمير (سوى حضرة صاحب السمو) يدخل من باب الذات التي لا تمس، ولكن، النصيحة تكون من أهل النصيحة، ولها آدابها، كما أن الفتيا تكون من الفقهاء.

  10. سعد الهاجري :

    السلام عليكم

    استاذي ابو صقر

    استمتعت جدا بمروري هنا

    وما زلت اتعلم منك

    واهدي انجازي الاخير

    ووصول صوري للعالميه

    لك اخوي ابو صقر

    ويعلم الله انك سبب بعد الله

    في نجاحي واستمراري على هالنهج اللي يشرف الكويت

  11. خالد العلي :

    أستاذنا العزيز نوفل
    المعادلة المتكاملة للدولة النامية هي أرض جغرافية + شعب واعي مخلص لو طنه + حكم و هيبة و تطبيق قانون.

    أذا فقدت المعادلة احد عواملها, فلا تتعجب

  12. عبدالعزيز الصليلي :

    ما شاء الله عليك
    مقال يعتبر مدرسه اعلاميه

    الله يفتح عليك

أترك تعليقك


Creative Commons License
.

Go Daddy